محمد بن جرير الطبري
549
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بكم صلاح آبائكم ، فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الأبناء . وسلهم كيف وجد آباءهم مغبه طاعتي وكيف وجدوا هم مغبه معصيتي ! وهل علموا ان أحدا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي ، أو عصاني فسعد بمعصيتي ! وان الدواب مما تذكر أوطانها الصالحة تنتابها ، وان هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة اما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم دوني ، ويحكمون فيهم بغير كتابي ، حتى اجهلوهم امرى ، وانسوهم ذكرى ، وغروهم منى . واما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتي ، وأمنوا مكري ، ونبذوا كتابي ، ونسوا عهدي ، وغيروا سنتي ، وادان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغى الا لي ، فهم يطيعونهم في معصيتي ، ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني ، جراه على وغره ، وفريه على وعلى رسلي فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمه شأني ! وهل ينبغي لبشر ان يطاع في معصيتي ! وهل ينبغي ان اخلق عبادا اجعلهم أربابا من دوني ! واما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد ، ويتزينون بعمارتها لغيري لطلب الدنيا بالدين ، ويتفقهون فيها لغير العلم ، ويتعلمون فيها لغير العمل واما أولاد الأنبياء فمكثورون مقهورون مغترون ، يخوضون مع الخائضين ، فيتمنون على مثل نصره آبائهم ، والكرامة التي أكرمتهم بها ، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم منى بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لي ، وكيف كان جدهم في امرى ، حين غير المغيرون ، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم ، فصبروا وصدقوا حتى عز امرى ، وظهر ديني ، فتانيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون ، فاطولت لهم ، وصفحت عنهم لعلهم يرجعون ، وأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتفكرون ، فأعذرت وفي كل ذلك أمطر عليهم السماء ، وانبت لهم الأرض ، وألبسهم